فصل: تفسير الآيات (238- 239):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل



.تفسير الآيات (234- 235):

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)}
{والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} على تقدير حذف المضاف، أراد: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن. وقيل: معناه يتربصن بعدهم، كقولهم: السمن مَنَوَان بدرهم. وقرئ: {يتوفون} بفتح الياء أي يستوفون آجالهم، وهي قراءة علي رضي الله عنه. والذي يحكى: أن أبا الأسود الدؤلي كان يمشي خلف جنازة، فقال له رجل: من المتوفي- بكسر الفاء، فقال الله تعالى. وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي رضي الله عنه على أن أمره بأن يضع كتاباً في النحو- تناقضه هذه القراءة {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} يعتددن هذه المدّة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، وقيل عشراً ذهاباً إلى الليالي والأيام داخلة معها، ولا تراهم قط يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام. تقول: صمت عشراً، ولو ذكرت خرجت من كلامهم. ومن البين فيه قوله تعالى: {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً} [طه: 103] ثم {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً} [طه: 104] {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} فإذا انقضت عدّتهن {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أيها الأئمة وجماعة المسلمين {فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ} من التعرّض للخطاب {بالمعروف} بالوجه الذي لا ينكره الشرع. والمعنى أنهن لو فعلن ما هو منكر كان على الأئمة أن يكفوهن. وإن فرّطوا كان عليهم الجناح {فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ} هو أن يقول لها: إنك لجميلة أو صالحة أو نافقة ومن غرضي أن أتزوّج، وعسى الله أن ييسر لي امرأة صالحة، ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه، ولا يصرح بالنكاح، فلا يقول: إني أريد أن أنكحك، أو أتزوجك، أو أخطبك. وروى ابن المبارك عن عبد الله بن سليمان عن خالته قالت: دخل عليَّ أبو جعفر محمد بن علي وأنا في عدتي فقال: قد علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدّي عليّ وقدمي في الإسلام، فقلت: غفر الله لكا! أتخطبني في عدّتي وأنت يؤخذ عنك؟ فقال: أوقد فعلتا! إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي، قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها، فلم يزل يذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدّة تحامله عليها، فما كانت تلك خطبة.
فإن قلت: أي فرق بين الكناية والتعريض؟ قلت: الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، كقولك: طويل النجاد والحمائل لطول القامة وكثير الرماد للمضياف. والتعريض: أن تذكر شيئاً تدل به على شيء لم تذكره، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك، ولأنظر إلى وجهك الكريم. ولذلك قالوا:
وَحَسْبُكَ بِالتَّسلِيمِ مِنِّي تَقَاضِيَا

وكأنه إمالة الكلام إلى عرض يدل على الغرض ويسمى التلويح لأنه يلوح منه ما يريده {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ} أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم لا معرّضين ولا مصرحين {عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} لا محالة ولا تنفكون عن النطق برغبتكم فيهنّ ولا تصبرون عنه، وفيه طرف من التوبيخ كقوله: {عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 187].
فإن قلت: أين المستدرك بقوله: {ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ}؟ قلت: هو محذوف لدلالة ستذكرونهنّ عليه، تقديره: علم الله أنكم ستذكرونهنّ فاذكروهنّ، ولكن لا تواعدوهنّ سرًا. والسر وقع كناية عن النكاح الذي هو الوطء، لأنه مما يسرّ. قال الأعشى:
وَلاَ تَقْرَبَنْ مِنْ جَارَةٍ إنَّ سِرَّهَا ** عَلَيْكَ حَرَامٌ فَانْكِحَنْ أوْ تَأَبَّدَا

ثم عبر به عن النكاح الذي هو العقد لأنه سبب فيه كما فعل بالنكاح {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا} وهو أن تعرّضوا ولا تصرحوا.
فإن قلت: بم يتعلق حرف الاستثناء؟ قلت: بلا تواعدوهنّ، أي لا تواعدوهنّ مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة. أي لا تواعدوهنّ إلا بأن تقولوا، أي لا تواعدوهنّ إلا بالتعريض. ولا يجوز أن يكون استثناءً منقطعاً من {سِرًّا} لأدائه إلى قولك لا تواعدوهنّ إلا التعريض.
وقيل معناه: لا تواعدوهن جماعاً، وهو أن يقول لها إن نكحتك كان كيت وكيت، يريد ما يجري بينهما تحت اللحاف. إلا أن تقولوا قولاً معروفاً يعني من غير رفث ولا إفحاش في الكلام. وقيل: لا تواعدوهن سراً: أي في السر على أنّ المواعدة في السرّ عبارة عن المواعدة بما يستهجن، لأن مسارّتهنّ في الغالب بما يستحيا من المجاهرة به.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا}: هو أن يتواثقا أن لا تتزوّج غيره {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح} من عزم الأمر وعزم عليه، وذكر العزم مبالغة في النهي عن عقدة النكاح في العدّة. لأن العزم على الفعل يتقدّمه، فإذا نهي عنه كان عن الفعل أنهى ومعناه: ولا تعزموا عقد عُقدة النكاح. وقيل: معناه ولا تقطعوا عقدة النكاح: وحقيقة العزم: القطع، بدليل قوله عليه السلام: «لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل» وروي «لمن لم يبيت الصيام» {حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ} يعني ما كتب وما فرض من العدّة {يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ} من العزم على ما لا يجوز {فاحذروه} ولا تعزموا عليه. {غَفُورٌ حَلِيمٌ} لا يعاجلكم بالعقوبة.

.تفسير الآيات (236- 237):

{لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)}
{لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} لا تبعة عليكم من إيجاب مهر {إِن طَلَّقْتُمُ النساء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} ما لم تجامعوهن {أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة: تسمية المهر. وذلك أن المطلقة غير المدخول بها إن سمّى لها مهر فلها نصف المسمى، وإن لم يسم لها فليس لها نصف مهر المثل ولكن المتعة. والدليل على أن الجناح تبعة المهر قوله: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ} إلى قوله: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} فقوله: فنصف ما فرضتم: إثبات للجناح المنفي ثمة، والمتعة درع وملحفة وخمار على حسب الحال عند أبي حنيفة، إلا أن يكون مهر مثلها أقل من ذلك. فلها الأقل من نصف مهر المثل ومن المتعة، ولا ينقص من خمسة دراهم؛ لأن أقل المهر عشرة دراهم فلا ينقص من نصفها. و{الموسع} الذي له سعة. و{المقتر} الضيق الحال. و {قَدَرُهُ} مقداره الذي يطيقه، لأنّ ما يطيقه هو الذي يختص به. وقرئ بفتح الدال. والقدْر والقدَر لغتان.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال لرجل من الأنصار تزوج امرأة ولم يسم لها مهراً، ثم طلقها قبل أنّ يمسها: «أمتعتها»؟ قال: لم يكن عندي شيء. قال: «متعها بقلنسوتك» وعند أصحابنا لا تجب المتعة إلا لهذه وحدها، وتستحب لسائر المطلقات ولا تجب. {متاعا} تأكيد لمتعوهن، بمعنى تمتيعاً {بالمعروف} بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروءة {حَقّاً} صفة لمتاعاً، أي متاعاً واجباً عليهم. أو حق ذلك حقاً {عَلَى المحسنين} على الذين يحسنون إلى المطلقات بالتمتيع، وسماهم قبل الفعل محسنين كما قال صلى الله عليه وسلم: «من قتل قتيلاً فله سلبه» {إَّلا أَن يَعْفُونَ} يريد المطلقات.
فإن قلت: أي فرق بين قولك: الرجال يعفون. والنساء يعفون؟ قلت: الواو في الأوّل ضميرهم، والنون علم الرفع. والواو في الثاني لام الفعل والنون ضميرهنّ، والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل وهو في محل النصب ويعفو: عطف على محله. و{الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح} الوليّ يعني إلا أن تعفو المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئاً، أو يعفو الولي الذي يلي عقد نكاحهن، وهو مذهب الشافعي.
وقيل هو الزوج، وعفوه أن يسوق إليها المهر كاملاً، وهو مذهب أبي حنيفة والأوّل ظاهر الصحة. وتسمية الزيادة على الحق عفواً فيها نظر، إلا أن يقال كان الغالب عندهم أن يسوق إليها المهر عند التزوّج، فإذا طلقها استحقّ أن يطالبها بنصف ما ساق إليها، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها. أو سماه عفواً على طريق المشاكلة.
وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة وطلقها قبل أن يدخل بها فأكمل لها الصداق وقال: أنا أحق بالعفو. وعنه: أنه دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه بنتاً له فتزوّجها، فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كاملاً، فقيل له: لم تزوّجتها؟ فقال: عرضها عليّ فكرهت ردّه. قيل: فلم بعثت بالصداق؟ قال: فأين الفضل؟ و{الفضل} التفضل. أي ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض وتتمرؤا ولا تستقصوا، وقرأ الحسن {أن يعفوْ الذي} بسكون الواو وإسكان الواو والياء في موضع النصب تشبيه لهما بالألف لأنهما أختاها.
وقرأ أبو نُهيك: {وأن يعفو}، بالياء. وقرئ: {ولا تنسو الفضل}، بكسر الواو.

.تفسير الآيات (238- 239):

{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)}
{والصلاة الوسطى} أي الوسطى بين الصلوات، أو الفضلى، من قولهم للأفضل: الأوسط. وإنما أفردت وعطفت على الصلاة لانفرادها بالفضل وهي صلاة العصر.
وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم ناراً» وقال عليه الصلاة والسلام: «إنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب» وعن حفصة أنها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، فأملت عليه: والصلاة الوسطى صلاة العصر وروي عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم: والصلاة الوسطى وصلاة العصر؛ بالواو. فعلى هذه القراءة يكون التخصيص لصلاتين: إحداهما الصلاة الوسطى، إمّا الظهر، وإمّا الفجر وإمّا المغرب، على اختلاف الروايات فيها، والثانية: العصر، وقيل: فضلها لما في وقتها من اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: هي صلاة الظهر لأنها في وسط النهار، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشدّ على أصحابه منها.
وعن مجاهد: هي الفجر لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل.
وعن قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب، لأنها وتر النهار ولا تنقص في السفر من الثلاث وقرأ عبد الله: {وعلى الصلاة الوسطى}: وقرأت عائشة رضي الله عنها {والصلاة الوسطى} بالنصب على المدح والاختصاص.
وقرأ نافع: {الوصطى}، بالصاد {وَقُومُواْ لِلَّهِ} في الصلاة {قانتين} ذاكرين لله في قيامكم. والقنوت: أن تذكر الله قائماً.
وعن عكرمة كانوا يتكلمون في الصلاة فنهوا.
وعن مجاهد: هو الركود وكف الأيدي والبصر.
وروي: أنهم كانوا إذا قام أحدهم إلى الصلاة هاب الرحمن أن يمدّ بصره أو يلتفت، أو يقلب الحصا، أو يحدّث نفسه بشيء من أمور الدنيا {فَإِنْ خِفْتُمْ} فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره {فَرِجَالاً} فصلوا راجلين، وهو جمع راجل كقائم وقيام، أو رجل يقال: رجل رجل، أي راجل. وقرئ: {فرجالا}. بضم الراء، {ورجالاً} بالتشديد {ورجلاً}. وعند أبي حنيفة رحمه الله: لا يصلون في حال المشي والمسايفة ما لم يمكن الوقوف: وعند الشافعي رحمه الله: يصلون في كل حال، والراكب يومئ ويسقط عنه التوجه إلى القبلة {فَإِذَا أَمِنتُمْ} فإذا زال خوفكم {فاذكروا الله كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} من صلاة الأمن، أو فإذا أمنتم فاشكروا الله على الأمن، واذكروه بالعبادة، كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع، وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن.

.تفسير الآية رقم (240):

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240)}
تقديره فيمن قرأ وصية بالرفع: ووصية الذين يتوفون، أو وحكم الذين يتوفون وصية لأزواجهم، أو والذين يتوفون أهل وصية لأزواجهم. وفيمن قرأ بالنصب: والذين يتوفون يوصون وصية، كقولك: إنما أنت سير البريد، بإضمار تسير. أو والزم الذين يتوفون وصية. وتدل عليه قراءة عبد الله: {كتب عليكم الوصية لأزواجكم متاعاً إلى الحول}، مكان قوله: {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا وَصِيَّةً لاّزْوَاجِهِم متاعا إِلَى الحول} وقرأ أبيّ: {متاع لأزواجهم متاعاً}.
وروي عنه: {فمتاع لأزواجهم}. ومتاعاً نصب بالوصية، إلا إذا أضمرت يوصون، فإنه نصب بالفعل. وعلى قراءة أبيّ متاعاً نصب بمتاع، لأنه في معنى التمتيع؛ كقولك: الحمد لله حمد الشاكرين، وأعجبني ضرب لك زيداً ضرباً شديداً. و{غَيْرَ إِخْرَاجٍ} مصدر مؤكد كقولك: هذا القول غير ما تقول. أو بدل من متاعاً. أو حال من الأزواج، أي غير مخرجات. والمعنى أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولاً كاملاً، أي ينفق عليهنّ من تركته ولا يخرجن من مساكنهن، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم نسخت المدة بقوله: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} وقيل: نسخ ما زاد منه على هذا المقدار، ونسخت النفقة بالإرث الذي هو الربع والثمن. واختلف في السكنى، فعند أبي حنيفة وأصحابه: لا سكنى لهن {فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ} من التزين والتعرض للخطاب {مِن مَّعْرُوفٍ} مما ليس بمنكر شرعاً.
فإن قلت: كيف نسخت الآية المتقدمةُ المتأخرةَ؟ قلت: قد تكون الآية متقدّمة في التلاوة وهي متأخرة في التنزيل، كقوله تعالى: {سَيَقُولُ السفهاء} [البقرة: 142] مع قوله {قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء} [البقرة: 144].